يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

44

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

اللّه لا يمل حتى تملوا ؛ قال : الملل الذي بمعنى السآمة لا يجوز على اللّه تعالى . وقد اختلف في تأويل هذا الحديث . قيل : إن ذلك على معنى المقابلة ، أي : لا يدع الخير حتى تدعوا العمل . وقيل : حتى هنا بمعنى الواو فيكون قد نفى عنه الملل . ويكون لا يمل وتملوا . وقيل : حتى بمعنى حين . وسيأتي طرف منه في باب الميم في قافية مل ومل . ومثله : ما أحد أغير من اللّه أن يزني عبده أو تزني أمته . وقال المازري أيضا : معناه ما أحد أمنع للفواحش من اللّه تعالى . والغيور يمنع حريمه ، وكلما زادت غيرته زاد منعه ، فاستعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه ، غيرته مجازا واتساعا ، وخاطبهم بما يفهمونه . وقع هذا الحديث في صلاة الكسوف وفسره بما تقدم . وزاد فائدة كبيرة أذكرها لك ، إذ هذا الكتاب مبني على جلب الفوائد : قال رضي اللّه عنه : ذكر فيها أن الركوع كثر فيها ليكمل في ركعتين ركوع أربع ركعات كما جعل في تكبير صلاة العيدين تكبير أربع ركعات ، كما جعلت الخطبة في الجمعة عوضا من الركعتين ليكون الفضل والكمال وتضعيف الأجر لهذه الأمة ، والحمد للّه . رجع الكلام إلى المعنى الأول : وفي معنى ما تقدم قوله عليه الصلاة والسلام : إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن اللّه تبارك وتعالى قبل وجهه إذا صلى . إنما معناه ثوابه ورحمته . وجاء في موضع آخر : إذا صلى أحدكم واجهته الرحمة . فما وجدت من هذا المعنى فاحمله على ما يليق بجلاله وعظمته ونزهه عن سمات البشر ونقصهم . فإنه قدوس عن النقائص ، متعال عن المنافع والمضار سبحانه وتعالى . وسيأتي كثير من هذا إثر حديث لقيط بن عامر بن المنتفق مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كنت وعدتك بذكره فهاكه بكماله . قال ابن عبد ربه رحمه اللّه : وفد لقيط بن المنتفق إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن المنتفق . قال لقيط : فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا المدينة لانساخ رجب ، فأتينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة ، فقام في الناس خطيبا فقال : أيها الناس ألا إني ما خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام إلا لأسمعكم اليوم إلا مثل من قبل امرئ بعثه قومه فقالوا : اعلم لنا ما يقول رسول اللّه الآثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال . ألا إني مسؤول هل بلغت ؟ ألا اسمعوا ألا اجلسوا . فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت : يا رسول اللّه ما عندك من علم الغيب ؟ قال فضحك لعمر اللّه وهز رأسه وعلم أني أبتغي سقطة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا اللّه . وأشار بيده . قلت : ما هن يا رسول اللّه ؟